سيد محمد طنطاوي
74
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقال - سبحانه - * ( حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ ) * مع أن الحمل كان للآباء الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - لأن في نجاة الآباء ، نجاة للأبناء ، ولأنه لو هلك الآباء لما وجد الأبناء . قال صاحب الكشاف قوله : * ( حَمَلْناكُمْ ) * أي : حملنا آباءكم ، في الجارية ، أي : في السفينة الجارية ، لأنهم إذا كانوا من نسل المحمولين الناجين ، كان حمل آبائهم منة عليهم ، وكأنهم هم المحمولون ، لأن نجاتهم سبب ولادتهم . لِنَجْعَلَها الضمير للفعلة : وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة تَذْكِرَةً عبرة وعظة . وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ من شأنها أن تعى وتحفظ ما يجب حفظه ووعيه ، ولا تضيعه بترك العمل . فإن قلت : لم قيل : أذن واعية على التوحيد والتنكير ؟ قلت : للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة ، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم ، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن اللَّه ، فهي السواد الأعظم عند اللَّه ، وأن ما سواها لا يبالي بهم ، وإن ملأوا الخافقين . . « 1 » . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت الناس بأهوال يوم القيامة بأبلغ أسلوب ، وبينت ما حل بالمكذبين بطريقة تبعث الخوف والوجل في القلوب . ثم أخذت السورة في تفصيل أهوال يوم القيامة ، وفي بيان ما تكون عليه الأرض والسماء في هذا اليوم ، وفي بيان ما أعده - سبحانه - لمن أوتى كتابه بيمينه في هذا اليوم ، فقال - تعالى - : [ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 13 إلى 24 ] فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ( 13 ) وحُمِلَتِ الأَرْضُ والْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ( 14 ) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ( 15 ) وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ ( 16 ) والْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ ( 17 ) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ ( 18 ) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَه بِيَمِينِه فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَه ( 19 ) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَه ( 20 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ( 21 ) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 22 ) قُطُوفُها دانِيَةٌ ( 23 ) كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخالِيَةِ ( 24 )
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 600 .